الهجرة والاغتراب في الخطاب الروائي


                               

روايات مصطفى شعبان بين الهجرة والاغتراب
*د مسعود ديلمي
ليس سهلا دائما على الفرد مهما كانت ثقافته ودينه ومستواه... ترك أهله وخلانه واتخاذ قرار الهجرة، وخاصة إلى مجتمع يختلف كليا عن مجتمعه الأصلي، إنها تجربة مريرة لا يقدر عليها إلا من كان مسلحا بالصبر والإرادة. لكنها مغامرة جميلة ومثمرة في نفس الوقت. كذلك كانت سنواتي الأولى من هجرتي إلى باريس. ففي خضم هذه الغربة الباريسية صادفت رواية «أمواج الروح، سيرة مهاجر سري في باريس» للكاتب المغربي مصطفى شعبان، طبعت بدار تريفة 2002 بالمغرب، 166 صفحة من الحجم المتوسط، والتي تعالج موضوع الهجرة السرية كما يحيل إلى ذلك عنوانها الفرعي. انغمست في قراءة هذه الرواية فشدتني بوقائعها، وتفاعلت مع شخوصها، كأني جزء منها، فردتني معاناة بطلها رحال إلى ذكريات الماضي وتطلعاتي لمستقبلي في الهجرة، فأكدت لي مشروعية تساؤلات الحاضر وآمال المستقبل. وكل ما زرت أهلي يأتيني بعض الناس سائلين عن أحوال الغربة، وظروف الحياة بعيدا عن الوطن، يربدون التزود بأخبار أصدقاءهم أو وأقربائهم... فكنت أرشدهم لقراءة هذه الرواية التي عبر كاتبها بصدق عمّا عاشه كل من هاجر وطنه.
واصل الكاتب مصطفى شعبان المقيم في باريس مشروعه الروائي بنصين أدبيين جديدين هما : رواية «مرايا» ومجموعة قصصية «وردة الشاعر» في طبعتهما الأولى بدار تريفة خريف 2008 بالمغرب.
فعزز بهما الرواية العربية في المهجر. وعاد في رواية مرايا إلى موضوع الهجرة ثانية، لكن ليس جيل الهجرة السرية بالطبع ولا جيل العمالة بشكل عام بل جيل اختارته الهجرة ولم يخترها، جيل درس في البلد وعاش ردحا من الزمن في ثقافته الأولى فوجد نفسه مهاجرا يتعايش مع ثقافة جديدة ويحاول التأقلم معها. وفي قلبه لوعة وحنين للبلد وثقافته الأولى التي تشكل جذر ذاته.
فالبطل صالح /الدكتور جاء إلى باريس واستقر فيها، تزوج بمرلين فتاة من أصل أمريكي تعيش في باريس. بعد فسخ الخطوبة التي كانت مع خطيبته الأولى "هنية" المقيمة في البلد. فبدأت حياته في الهجرة، لتبدأ رحلته مع الغربة والاغتراب الثقافي. فالبطل صالح في الرواية موزع بين ثقافتين اثنين، يرمز لها الكاتب بثنائية حمدون / أنتجري .
حمدون: في النص هو الضمير الذي يمثل المرجعية الثقافية الأولى. "أنتجري" intégrer  المشتقة من اندماج intégration، وهي الخطوات التي تفرض الاندماج في الواقع الجديد. ولتوضيح تلك النقلة في محاولة الاندماج، اختار الكاتب تقنية المنولوج في الحكي : عالم البوح والسريرة للحديث عن الصراع الداخلي ليكشف جليا العالم الداخلي الذي يعيشه المهاجر وهو يسير بين حال دخول وخروج. دخول ثقافة عالم جديد واندماج، ثم ابتعاد وخروج عن الثقافة الأولى، تفكيك وبناء. ( تفكيك هوية وإعادة بنائها من جديد) ولعل ذلك ما يعبر عنه د محمد غرافي في الصفحة الرابعة من الغلاف : «رواية مرايا شهادة أخرى على إشكالية الهجرة إلى الشمال. أبطالها ليسوا مهاجرين سريين كما هو الحال في أمواج الروح، بل شرعيون وعلنيون. لكن سؤالا مؤلما يظل يمارس سلطته عليهم: إنه سؤال الهوية بشكل خاص. الوعي بأن الهجرة لم تكن أبدا استقرارا مؤقتا، بل هي إقامة دائمة، صار مؤرقا. لا يهم المكان. باريس أو لندن سيان...لأن الهجرة واحدة وبطل مرايا قد يكون هو نفسه بطل أمواج الروح... ببطاقة إقامة».
إن الرواية في تفاصيلها تتحدث عن الاغتراب، عن التوزع وعن العودة والبقاء. فالبطل صالح يعي أن العودة لم تعد مطلبا ممكنا، خاصة بعد أن تزوج وأسس أسرته في المهجر. لذلك فهو  يحاول التعايش مع هذا الجديد وتشييد رؤية خاصة له في غربته، رؤية تجمع بين الحفاظ على شيء من ذاته والتأقلم مع الجديد، فذاته واستمراريتها في الغربة هي التي أصبحت مطلبا في هجرته وكيفية المحافظة عليها. لكن كيف الوصول إلى ذلك ؟ فهو يعرف أنه أمر صعب المنال ولكن يسعى إليه جادا وبدون توقف فيقول الراوي : «كل مهاجر يريد أن يخلق عالم هجرته، يفلسف وجوده، عالم كيانه. لكن للهجرة عالمها الذي تخلقه وتنمطه للمغتربين». مرايا ص 148.
يقف الكاتب مطولا للحديث عن هذه المواضيع وطرح الأسئلة حولها في حوار فلسفي شيق يدور بين دودتين تنخران جسد البطل صالح بعد الموت. وذلك عبر خيال مسترسل، حين ذهب صالح البطل إلى الحمام البلدي، ينتظر سخونة الأضلع وترويض المروض لجسده، فيسرح به خياله ويتيه العقل في أنفاق الانتظار. فتخوض الدودتان الحديث في هذه المواضيع التي تسكن جوف صالح وتنغص وجوده وهو بعيدا عن ثقافته الأولى.
تسير الرواية على هذا الحال في طرح الأسئلة دون أن تجيب، تدخل من عقدة سردية إلى أخرى، من موضوع غربة الهجرة إلى الاغتراب الثقافي في العولمة فتتسع ثنائية حمدون/أنتجري من الأنا الفردية لتشمل الأنا الجماعية. فتنبسط في الحوار الحضاري تارة وتنقبض بين الأنا والآخر ويسير التداعي في الحكي حتى ص 203 لينتهي بأفق مفتوح على لسان صوت درويش :
«هي سحابة دمع ممطرة، تتجاذب بين رياح، تغفو فيها وتسير.
هي مداد يكتب على الثرى والذاكرة الحبلى جداول النهر العربي التائه.
هي كوكب عاص لنظام العولمة، يبهت شعاعها، تغيب.. تغيب شمسها.
كسوف، خسوف، يتجدد ضياء البدر، آت زمانك آت...»
وكما هو الشأن في هذا الجزء من الرواية فلغة الشعر تحضر في بعض من فقراتها وهذا ما أشار إليه الشاعر المغربي محمد علي الرباوي في الصفحة الرابعة من غلاف مرايا: حين تحدث عن لغة الكاتب في الكتابة «... وهذا ما جعل لغة الشعر تحضر في كثير من فقراتها. وهذه اللغة تتأجج كلما اتسع الإحساس بالغربة».
كما تحضر نفحة صوفية في الحوار الأخير الذي دار بين المدني "الفِكْرور" وصالح وخاصة على لسان المدني. وذلك في الجزء الأخير من الرواية ( من ص 189 إلى ص 197)
أما عن الضمائر المستعملة في السرد واختيارها فهي ثمرة اختيار جمالي واع، فليس ضمير المتكلم سوى ضمير نحوي لا يعود بالمرة على بوح مباشر. وهذا الإشكال يجد مشروعية طرحه خاصة في روايته الأولى «أمواج الروح، سيرة مهاجر سري في باريس» التي يصعب تجنيسها، فالعنوان الفرعي : «سيرة مهاجر سري في باريس»، يخلخل ميثاق الكتابة في ذهنية القارئ ، فيسهل الفصل في تجنيسها في أول الأمر، إلا أن المتتبع لأعماله الصادرة حديثا. يرى أن هذا المنحى كان اختياريا في كتابة الروائي. فهو يركب ضمير المتكلم ليقربنا من حميمية النص وأن طبيعة حضوره طبيعة جمالية لا غير .
ففي رواية «مرايا» يتوزع السرد بين نقلتين ضمير المتكلم وضمير الغائب، فالجزء الأول معنون ب «الظمأ» يركب الراوي ضمير المتكلم، ونفس الشيء كذلك في الجزء الثاني المعنون ب «العودة وعودة العودة»، يستخدم ضمير الغائب في الجزء الثالث من الرواية المعنون ب «القابلة» ليستريح الراوي ويخلق متنفسا للقارئ معا.
أما العمل الثاني وهو المجموعة القصصية والتي عنونها ب «وردة الشاعر» فهي تضم اثني عشرة قصة متعددة المواضيع ينهل بعض منها من عالم الهجرة كما هو الشأن في قصص : العميد أولفيي والفَلَقَةُ، الكنبة، حنظلة، أشواق، قبلات في الهواء، دمعتان وابتسامة. وكما تنهل من مواضيع أخرى كالعولمة وتبعاتها الثقافية في قصة "النفقة".
كما نجد موضوع الاحتباس الحراري حاضرا في المجموعة وذلك في قصة: فوانيس. وقصص أخرى ذات شطح صوفي كما هو الشأن في قصة «العبارة»، و«الوجد».
وتأتي قصة «وردة الشاعر» وهي القصة التي سميت بها المجموعة القصصية، حيث تعالج مشكل الأمية في الوطن العربي، تتحدث عن أم شاعر لا تعرف القراءة والكتابة، فتحاول جادة معرفة ما يكتب ابنها والاقتراب من عالمه الإبداعي الذي ينشره ويقرأه الناس وحرمت هي بمعرفته. فتسأل زوجته وردة، بمرارة وهي تقلب دفتي الديوان، عن ما هو الشعر؟ عن عالم ابنها؟ عن المواضيع الذي يكتب فيها؟ فتقربنا «وردة الشاعر» في الصفحة 45 عن هذه الرغبة وعن الأمية التي تقف سدا منيعا في وجهها:
  «- تعلم القراءة والكتابة التي حرمت منهما، ولم تكن الحاجة ماسة أكثر من أي وقت مضى لأفهم ما كان يكتبه لي، فحين كان يبعث إليّ الرسائل من الجامعة كانت أخته تقرأ الرسالة فتصلني عبارة أمي الحنون كإلهام، فيشرق في قلبي المعنى. تتعطل القراءة وتنهض الأمومة طريقا لفهم باقي الرسالة.
- لكن اليوم يكتب للجميع يا حماتي، هو ملك للناس جميعا.
- إلا أنا ومن حرموا من التعلم.»
وتسير المجموعة القصصية والرواية على هذا المنوال من الحكي لتعانق مشاكل هجرة الإنسان العربي. وللإشارة أن الرواية الأولى للكاتب مصطفى شعبان "أمواج الروح سيرة مهاجر سري في باريس" طبعت ثلاث مرات، وقد كرمت باختيارها كموضوع لامتحانات شهادة البكالوريا قسم عربي في فرنسا لدورة 2008. هذه الرواية تحتاج لترجمة إلى اللغات الأجنبية ليطلع من خلالها الآخر عن معاناة المهاجرين النفسية.
                                      د مسعود ديلمي  كاتب جزائري مقيم في باريس







 

تعليقات