التخييل والوعي التداولي في سيرك الحيوانات المتوهمة

 


التخييل والوعي التداولي في سيرك الحيوانات المتوهمة


مقدمة
قد لا نأتي بالجديد إذا اعتبرنا سيرك الحيوانات المتوهمة لأنيس الرافعي مجرد فنتازيا، عن حيوانات تتحرك في فضاء غرائبي، وإنما ينبغي النظر إليها بوصفها مرايا مهشمة يرى فيها القارئ نفسه وقلقه، وتيهه داخل عالم فقد صوابه.

والمجموعة القصصية برسومها الموهمة للحقيقة، لا تُخاطب مشاعر القارئ فحسب، وإنما تخاطب عقله وثقافته، لإرباكه وتحفيزه على التفكير. لأن اللغة القصصية لا تصف الأشياء كما هي في الواقع، بل تستدعي معان مضمرة تفهم حسب السياق التداولي ونوايا المتكلمين. من هنا سنتخذ من التداولية المعرفية أداة نقدية لمقاربة هذه المجموعة القصصية، لأن التداولية المعرفية، منهج نقدي يقارب القصة القصيرة في علاقة اللغة بالسياق الذهني والمخططات المعرفية والنماذج الذهنية.

1- السياق الذهني

تعودنا في الدراسات النقدية السابقة أن يكون السياق هو الظروف الاجتماعية والسياسية والثقافية. لكن في التداولية المعرفية، السياق هو (كل ما يجري داخل هذا السيرك من وقائع خيالية مستوحى بالأساس من أحداث حقيقية).[1] بمعنى أن السيرك هو الفضاء الذهني الذي يجعل من الحيوانات شخوصا مؤثثة لفضاء القصص، تتكلم بلسان الإنسان الذي يتم التلاعب به كما يتلاعب بالحيوانات بحركات مفروضة عليها.

والقصة القصيرة بهذا المعنى بحاجة إلى (سارد يختلق الحيوان، وفنان يروضه بالألوان، تشاكل مباطن، وتفاعل متخارج، بين الأيقونة والأدب، ليس في حاجة، البتة إلى مرجع غير ذاته).[2]

ولذلك نجد في سيرك الحيوانات المتوهمة رسوما معبرة عن مضمون القصص القصيرة، بطريقة عبثية متحررة من قيود الزمن والمكان، تسحب القارئ بصريا ودلاليا إلى بر الأمان. وهذه الرسوم ليست صامتة أو معزولة عن الكتابة، وإنما هي حاضرة بدلالتها لاستحضار الأشياء المضمرة. لأن الرسم له لغة خاصة موجهة إلى قارئ خاص ومتلق خاص كذلك. لأن اللوحة الفنية كما قال أفلاطون، تلتزم صمتا مهيبا إذا ما وجهت إليها سؤالا.[3]

إن سيرك الحيوانات المتوهمة عبارة عن وصفة متكاملة، تجتمع فيها اللغة والتشكيل، ترمي بالقارئ في منطقة رمادية، تجعله شريكا فعالا في بناء المعنى وتشكيل الدلالة، لأن السارد ليس غرضه إمتاع القارئ، بل هدفه إرباكه ذهنيا وتحفيزه على طرح جملة من التساؤلات الكونية. حيث تتحول مقصديات القصة القصيرة إلى رموز مضمرة، لا تفهم مباشرة وإنما عبر آليات ذهنية عميقة، تحفز القارئ على ملء الفجوات وتسويد البياضات التي يتركها الكاتب عنوة لصناعة المعنى وتشكيل الدلالة.

2- الحيوان كقناع بشري

حسب فلسفة الاختلاف عند جاك ديريدا فإن الحيوان هو الآخر الذي يساعدنا على فهم الإنسان وتعريفه، بوصفه حيوان عاقل، متكلم، ضاحك، باكٍ. لكن في كثير من الأحيان، يستسلم للحيوان الذي بداخله. وانطلاقا من هذا التصور الفلسفي، تسير المجموعة القصصية (سيرك الحيوانات المتوهمة) حيث استعار أنيس الرافعي بطريقة ساخرة، الحيوان كقناع للبشر، استخدمها كأداة لتمرير مجموعة من الإنتقادات للإنسان الذي فقد صوابه. ولم يستخدم القناع لتغطيته بل لكشفه وفضحه. لأن القناع  لا يُستخدم لإخفاء الهوية، بل قد يُوظَّف لكشف أعمق ما في الإنسان، عندما يصبح وسيلة لقول الأشياء المُحرجة، ويفصح عن الذات وتناقضاتها. لأنه يدرك جيدا (أنهم جميعهم راقصون جيدون)[4] لهم خبرة طويلة في فنون السحر والخداع، والقفز على الأراجيح (على الرغم من غياب شبكة للحماية).[5]

3- بلاغة التكثيف ورحابة المعنى

التكثيف هو استخدام عدد قليل من الكلمات للوصول إلى كثير من المعاني والدلالات. وهذا هو مضمون نظرية الملاءمة التي تعد من أهم النظريات التي تبحث عن أكثر قيمة معرفية بأقل مجهود ذهني. وهذا ما يظهر لنا في هذه المجموعة القصصية القصيرة التي تقوم على وجازة اللغة، التي تتخذ الاستلزام الحواري وسيلة أكثر بلاغة من الكلام (الأرواح الصامتة، تلك القاطنة في ردهات السيرك وشقوقه، تنزعج جدا من آهات وزفرات وتصفيقات الجمهور).[6] حيث يبقى المعنى مفتوحا على التأويل، في أفق أن يشغل القارئ ذهنه لاستنتاج ما استبطن في القصة القصيرة، لأنه ليس متلقيا سلبيا، وإنما هو قارئ فعال، يعيد بناء المعنى وفق ما يخزنه من تجارب ومعارف في ذاكرته الطويلة. وتتعدد القراءات والتأويلات بحسب ثقافة كل قارئ ومخزونه المعرفي.

 4- المتلقي والعوالم المتخيلة

تعد القصة القصيرة إحدى العوالم المتخيلة، التي يتتبع فيها الكاتب تفاصيل الواقع المتخيل، المركون في البنية الذهنية، الإدراكية. وهي عوالم غير فارغة؛ وإنما هي مؤثثة بنفس مفردات الواقع المعيش، غير أنها مفردات متخيلة، مفترضة، يتمنى الكاتب من المتلقي أن يعيد إنتاجها وتحقيقها في الواقع، فبدل أن يؤجج الإنسان نار الحقد والكراهية ينبغي عليه تلطيف الأجواء، وبث روح الأخوة بين الجميع (ينهض مفهوم السيرك الحيواني في مظان هذه الحقيبة، على معارضة مفهوم السيرك البشري بمعناه الروماني القديم، القائم على إذكاء حطب العنف الحيواني لدى الكائن البشري. نحن نقلب الصورة تماما، فنسعر لهيب النزعة الإنسانية لدى المخلوق الحيواني).[7]
وهكذا تأتي المجموعة القصصية (سيرك الحيوانات المتوهمة) ليس لإمتاع القارئ فحسب، وإنما هي كتابة أصيلة تُراهن على القارئ الكوني الذي يتذوق الكتابة وجدانيا، ويؤولها ذهنيا ومعرفيا، لإعادة إنتاجها كفعل إنساني يعالج هشاشة المجتمع وأمراضه.

د. محمد يوب



[1]  الرافعي أنيس، سيرك الحيوانات المتوهمة، خطوط وظلال، الأردن، ط:1، ص:13

 [2] المرجع نفسه، ص:13

[3]  الحميري عبد الواسع، في آفاق الكلام وتكلم النص، ص:244

[4]  المرجع نفسه، ص:14

[5]  المرجع نفسه، ص:14

[6]  المرجع نفسه، ص:19

[7]  المرجع نفسه، ص:21



 

 

 

 

 



تعليقات