مصطفى لغتيريفي معرفة القصة المغربية المعاصرة
يتميز المشهد الأدبي المغربي بحركية ملفتة ، تستحق أكثر من وقفة لاستجلاء أسبابها العميقة ، إذ أن هناك مفارقة صارخة تفرض نفسها على كل متتبع للوضع الثقافي في بلادنا ، ففي الوقت الذي يعاني منه القطاع الثقافي من تجاهل شبه كامل ، فإن الإنتاج الأدبي يعرف ازدهارا ملحوظا ، و قد يعزى ذلك في رأيي إلى أن الإنسان في هذه البقعة من الأرض حيوي و معطاء ، و لا تحبطه العوائق مهما كانت قوتها.
مناسبة هذه التوطئة انبهاري الشخصي بالظهور المفاجئ و القوي للناقد المغربي محمد يوب ، الذي وقع على بروزه في المشهد النقدي المغربي بشكل قوي و دال ، فرغم أن كتابه "في معرفة القصة المغربية " يعد إصداره الأول ، فإن المطلع عليه سيلازمه- بلا ريب- الشك في أن هذا الكتاب باكورة الكاتب. فقد تميز الكتاب بوضوح منهجي و تناول للتيمات و المضامين يتسم بكثير من النضج و الثراء ، كل ذلك مؤطر برؤيا واضحة حددها الكاتب في بداية كتابة و تخللت صفحات إصداره.
و سأحاول خلال هذه الوقفة عند الكتاب أن أقدم صورة تقريبية و اختزالية لأهم الثيمات و المضامين التي احتواها ، مع العلم أن ذلك لا يغني أبدا عن الاطلاع على الكتاب لأنه ثري و مشوق و ممتع.
في مقدمة الكتاب يحدد الكاتب بدقة هدفه و مراميه فيقول " إنني أريد من خلال جانب هام من هذه الدراسة إزاحة فكرة استقلالية الأجناس الأدبية ، التي يروج لها كثير من المهتمين بالشأن الأدبي ، معتمدا في ذلك على مجاميع مغربية تجمع بين القصة القصيرةو الأقصوصة و القصة القصيرة جدا ، بالإضافة إلى أجناس أدبية أخرى يكون السرد مادتها الأساسية"
و هكذا بعد تحديد مقاصده و منهج اشتغاله ينتقل إلى الحديث عن " البنية الفنية في القصة المغربية المعاصرة" ليقرر أنها " تنهض على مستوى اللغة لتشكل البناء الفني الذي تقوم عليه هذه القصص ، فهي من جهة بنية تتكون من ألفاظ غالبا ما تكون وليدة الواقع الاجتماعي ، بمعنى أنها لغة منطلقة من مرجعية متشابهة تميز الكتابة القصصية بشكل عام ، لأن أغلب كتاب القصة المغربية المعاصرة ينتمون إلى جيل واحد ، و ينهلون من مرجعيات فكرية واحدة". و هذه البنية "يضيف الناقد " تفهم في إطار نسق بنيوي متكامل يتحرك جملة و تفصيلا ، و في تحركه تتحرك الدلالات في إطارها الاجتماعي و الثقافي ، و حينها تصبح اللغة هي التي تحرك الأحداث و ليست الأحداث هي التي تحرك اللغة". كما لاحظ أن البنية الفنية تتحرك في إطار زمكاني يجمع بين الزمن المطلق و الزمن القصصي "
أما في محور ' الرؤية إلى العالم و الرؤية من خلف في القصة المغربية المعاصرة" فقد ميز بين الواقع و المتخيل إذ يقول أن الواقع المتخيل " لايعكس الواقع المادي بشكل يشوه العمل الأدبي ، بل يلتقط الجانب الإيديولوجي فيه ، بمعنى أن لغة السرد القصصي عندما تعبر عن الواقع فإنها تنحرف عن مدلولها المادي المكشوف ، و تتخذ أبعاد إديولوجية تكشف عن الصراع القائم على مستوى التخيييل"
و يتناول في هذا المحور الرؤية إلى العالم و يلاحظ أن الرؤية " إلى العالم رؤية متعددة و متنوعة ، تتنوع بتنوع القضايا المطروحة في هذه القصص ، لأنها محكومة بمجموعة من الثنائيات الضدية ، التي تدفع الأحداث في اتجاه الحركية و التنوع"
ليخلص إلى أن البطل في كل القصص " يحمل هما إيديولوجيا و رؤية إلى العالم ، و البطل في النهاية يكون هو القاص نفسه يحرك الشخصيات بواسطة الرؤيا من خلف".
و في محور " الشخص و الشخصية في القصة المغربية المعاصرة " يميز الناقد بين الشخص و الشخصية " فالشخص هو الذات التي يمكن أن ننسب لها مسؤولية أفعالها ، بمعنى أن الشخصية تبدأ عندما يعي القاص شخصه ليس كذات محسوسة و لكن كذات مجردة تجريدا خالصا" و يستنتج أن "الشخصية "الفاعل" عند القاص تكون عبارة عن علامات يسند إليها مجموعة من الدلالات".
بعد ذلك يتطرق الناقد ل" مستويات التلقي و التأويل في القصة المغربية المعاصرة " و يفتتحه باقتناع مفاده "أن الزمن المغربي زمن القصة بامتياز ، نظرا لاهتمام النقاد و الأدباء بهذا الجنس الأدبي الذي ملأ الدنيا و شغل الناس". ثم يركز على دور المتلقي في بعث الحياة في النص و الكيفية التي يتعين عليه التعاطي معه مقترحا قراءة تأويلية تستند على ثلاثة أنواع
القراءة النصية
القراءة التناصية
القراءة التداولية
" و لكي تكون عملية التأويل في القراءات الثلاثة ناجحة و ناجعة ، ينبغي أن تمر بثلاث مراحل هي
- مرحلة الإدراك.
- - مرحلة الفهم.
- -مرحلة التخزين.
- و في محور " جماليات ما وراء القص في القصة المغربية المعاصرة" يركز الناقد على أن "جمال القصة القصيرة يكمن في شغبها ، في حركيتها ، في انشغال الناس بها ، فبالرغم من قصرها فمرحلة الإدراك.
- - مرحلة الفهم.
- -مرحلة التخزين.
- و في محور " جماليات ما وراء القص في القصة المغربية المعاصرة" يركز الناقد على أن "جمال القصة القصيرة يكمن في شغبها ، في حركيتها ، في انشغال الناس بها ، فبالرغم من قصرها فنها تؤدي معاني متعددة"
ثم ينصب جهد الناقد على القصة القصيرة جدا بين القبول و الرفض فيحدد الموافق المختلفة منها ليخلص إلى أنها "لغة العالم في المستقبل ، هي الثورة الأدبية في الحاضر و المستقبل " و يتبع هذا المحور بمحور " القصة القصيرة جدا الفهم ... الإفهام... الإقناع..الاقتناع" فيركز على أن القص ملزم ب" دفع المتلقي إلى معايشة الحدث و الانفعال معه "
أما في القسم التطبيقي من الكتاب ينكب الناقد بالتحليل و الناقشة و التأويل و الاستنتاج على مجاميع قصصية للعديد من القصاصين المغاربة.
و في ختام هذه الورقة أتمنى أن أكون قد قدمت لمحة وافية عن كتاب" في معرفة القصة المغربية المعاصرة" للناقد محمد يوب ، هذا الكتب الذي يستحق أكثر من وقفة و قراءة.
تعليقات
إرسال تعليق
شكرا لحضورك واهتمامك