للكاتبة المغربية حبيبة الزوكي
نورالدين بلكودري
شاعر و باحث مغربي
"غزل الحكي" عنوان يتكون من دالين "الغزل" و" الحكي" تقوم العلاقة بينهما على الإضافة التي تحيلهما إلى دال واحد ،فالدال الأول "غزل " يؤشر على فعل الغزل الذي يتماهى مع الحياكة التي تحتاج المهارة و الدقة المفضيان إلى الإتقان، و إذا كان الصوف هو المادة الأولية للحياكة فاللغة هي مادة غزل الكاتبة لحكايتها فعندما تغزل فهي تحبك الأحداث بناء على رؤية سردية واضحة المعالم
أما الدال الثاني "الحكي" فهو ناتج فعل الغزل الذي يصدر عن الكاتبة لأنها المتحكمة في مساره، بداياته و نهاياته ، ثم أن هذه المفردة رسخت عند القارئ نوعية الجنس الذي بين يديه و هو الرواية التي يشكل الحكي عمودها الفقري .
إن رواية "غزل الحكي" تتكون من عشرة فصول عنوان كل فصل عتبة لمضمونه و مدلولاته ، و بقراءة فاحصة لهذه العناوين و الفصول التي ارتبطت بها نلمس قدرة الكاتبة على التحكم في مفاصل الرواية باختيار عناوين مناسبة تنسجم و الأحداث المساوقة لها ،و تبقى هذه الرواية في تصور الكاتبة بكارة رأس خيطها من أول حرف فيها و ذيل هذا الخيط نقطة النهاية التي وضعتها حبيبة الزوكي في آخر روايتها ،ولهذا عنونت الكاتبة الفصل الأول ب "غزل الحكي" و الفصل الأخير ب "فك الغزل ".
إن رواية "غزل الحكي" للكاتبة حبيبة الزوكي تطرح قضية البطالة التي يعاني منها الشباب المغربي و ذلك داخل قالب سردي غلب عليه الوصف و البوح و هذه ميزة تطبع أغلب الكتابات النسائية في المغرب و في العالم العربي عموما .
وقفت الكاتبة في روايتها عند موضوع الساعة لأن الشباب العاطل يعيش فعلا آلاما لا حدود لها فهو مغترب داخل وطنه وليس خارجه، و اعتماد الكاتبة على شخصية "نور" الذي يتميز بالسلبية و الإنهزامية و أيضا على شخصية " كوثر" الشابة التي تهيم حبا في "نور" و تعيده إلى رشده لحظات قبل هجرته بعيدا عن الوطن جعلها تطاوع مادتها الحكائية بناء على التطورات النفسية التي تعيشها الشخصيتان
و لا بأس هنا من الوقوف عند الأبعاد الدلالية لإسم" نور" و "كوثر" لأن الكاتبة تعمدت اختيار أسماء بعينها لها حمولة دلالية تنسجم مع البناء الروائي ل "غزل الحكي" ف "نور" هو نور "كوثر" و ليس نور نفسه فهو الذي ينير حياتها و يعطيها معنى أما "كوثر" فهي جنة "نور" الابدية و دونها سيعانق الضياع و الإستسلام، إذن الكاتبة توسلت بهذه الدلالات و أسقطتها على شخوصها حتى تكتمل رؤيتها السردية و توجه أحداث الرواية بناء عليها .
إن "نور" و"كوثر" يمثلان جيلا بكامله جيل تتكسر أحلامه و آماله عند أسوار الواقع القاسي، واقع لا يرحم ، واقع كله حرمان و إحباطات و الكاتبة وقفت في روايتها عند مجموعة من المظاهر المتناقصة، ففي الوقت الذي لا يجد فيه" نور" و "كوثر" عملا قارا يرضي طموحهما تكشف الكاتبة عن التفاوت الطبقي الذي يسود في المجتمع و يمكن التمثيل لذلك بما جاء في الصفحة 26 فتقول الكاتبة :
"في ظهيرة هذه المدينة الفاتنة تخرج تلك السيدة تصطحب كلبها الذي يبلغ مصروف يومه ما يشبع أفواها فتحت ليدخلها الريح و هل الريح تشبع؟"
و إذا عدنا إلى المتن سنقف عند تكرار لفظة "جيل" مرات كثيرة و هذا ما يوضح رغبة الكاتبة في التأكيد على أن أمثال "نور" و "كوثر" كثر في المجتمع، و ما هما إلا نموذجا فقط لواقع بئيس و معاناة قاسية يتجرع مرارتها شباب اليوم و يمكن التمثيل لذلك بما جاء في الصفحة 29:
"ها أنا أمامك عاريا إلا من أبجدية حزني الدفين ها أنا أمامك عيناي تائهتان و أبحث عن جيل عن تربة كانت طريقي و أزاحوها عن أمل كان يضيء حياتي و صلبوه "
الكاتبة حبيبة الزوكي و هي تكتب روايتها استحضرت تجربتها عن وعي لأن قارئ الرواية يحس بتدفق في حكيها و بوحها الذي جاء على لسان الشخوص، فهي تذهب بالبوح إلى أبعد مدى فتصف الدواخل الجريحة التي عاشت الإنهيار و الاستسلام ،و خاصة أثناء حكيها عن "نور" على لسان "كوثر" التي حاورت نفسها و حدثتها لحد العري عاطفيا و نفسيا ، مرة باضطراب ومرة وهي في قمة اتزانها .
هنا أيضا يمكننا الوقوف عند فعل الحكي و لابد من الإشارة إلى تركيز الكاتبة على "كوثر" حيث سلمتها مفاتيح نفسية "نور" و تركت لها هامشا كبيرا للتعبير عن همومه و انفعالاته ، فكانت تفتح الجراح و تداويها ،تبحث عن محطة أمان لحبيبها فتكالبت عليها الظروف القاسية و حققت في آخر الرواية حلمها و تزوجت "نور" لتعيش معه تحت سقف واحد و إن كانت الكاتبة في هذه المرحلة من روايتها فاجأت القارئ بتطورات متلاحقة لم يحس القارئ في لحظة من اللحظات بإمكانية وقوعها.
إن قارئ رواية "غزل الحكي" يأخذه أسلوبها الرشيق و غزارة المشاعر التي تطبعها فيحس في لحظة من اللحظات أنه يقرأ خاطرة طويلة تتكون من عشرات الصفحات ، و كان بإمكان الكاتبة اختزال هذا التدفق لأنه أضر في بعض المواقع بالبناء الحكائي للرواية أكثر مما ساهم في الرقي ببعدها الجمالي، و هنا لابد من الوقوف عند الجانب الشعري عند الكاتبة ، فهي لم تستطع التحكم في شاعريتها فكان لذلك تأثير سلبي على عملها لأن الشعرية ضغت في بعض الأحيان على الحكي الذي هو الجنس الذي يجب أن يهيمن.
الكاتبة حبيبة الزوكي اكتفت بشخصيتين هما "نور" و "كوثر" فلو وسعت رؤيتها السردية و اختارت شخوصا أخرى فاعلة في أحداث الرواية لامتصت الانفلاتات التي سقطت فيها في هذا العمل الروائي .
إن إشارتنا إلى هذه النقطة لا يقلل من المجهود الذي بدلته الكاتبة في روايتها، فالقارئ العادي أو المتخصص في تشريح الأعمال الإبداعية خاصة السردية سيتلمس أسلوبا رصينا و قدرة فائقة للكاتبة على وصف دقائق نفسية الشخوص ، كما يتميز هذا العمل بتوظيف الكاتبة للصورة الشعرية التي ساهمت في الرقي بالجانب الدلالي و المقصدي للرواية ، لأن الإيحاءات كانت عميقة و مثيرة لذهن القارئ و هذه الصورة الشعرية حضرت في إطار توسل الكاتبة بالشعرية السردية أو ما يسمى بشعرنة السرد وإن كان هذا الجانب قد طغى في مواقع كثيرة من الرواية كما سبق و أشرنا إلى ذلك ،و قد تكون الكاتبة تعمدت إضفاء بعد رومانسي داخل سياق تراجيدي و لنمثل لهذا بأسطر من الصفحة 36:
" ذابت المسافات و هوى الزمن إلى باطن الأرض رمي القدر كل الأوراق على الرصيف كالعاهرة ، هذا الجرح الغريب جرح رفيق المنافي و هذا الظل يطارد صمتي بين الدروب أيها الظل خذني لعودك نغمة تغسل جسمك من الارتعاش تبيض العصافير عند الغروب و تولد تحت النخيل الأماني"
جانب آخر لابد من الوقوف عنده هو توظيف الكاتبة للدارجة المغربية خاصة أثناء رغبتها في تمرير رسائل الشباب العاطل إلى المسؤولين ، و أيضا لتعرية الواقع و الكشف عن حدة المعاناة التي يتكبدها أبناء جيلها من أصحاب الشواهد ، ونمثل لذلك بما جاء في الصفحة 60:
"ما أنا إلا قاري
عندي دبلوم عالي
نظل كالس في القهاوي
أوجيبي راه خاوي "
إن حضور الدارجة المغربية قرب المسافات بين شرائح المجتمع ، بين الأمي الذي يتحدث الدارجة فقط و بين المتعلم لتبقى الدارجة المشترك الذي يوحد همومهم و انشغالاتهم و انكسارتهم .
إن رواية "غزل الحكي" رواية واقعية بامتياز من حيث أحداثها و هي رومانسية في أسلوبها و لغتها الواصفة و هذا طبيعي ما دامت كاتبتها شاعرة ،و إذا اشتغلت الكاتبة على رؤيتها السردية بعيدا عن الإسقاطات المحيلة على الذات التي تلبسها لشخوصها ستكتب لنا الكاتبة حبيبة الزكي أعمالا ذات قيمة عالية، لأن ما تملكه من مقومات يمكنها من ذلك و تبقى "غزل الحكي" الفاتحة الأولى التي ستشكل نقطة انطلاق لأعمال أكثر جدة و اهتماما بالجوانب الفنية للسرد الروائي.

تعليقات
إرسال تعليق
شكرا لحضورك واهتمامك