قراءة في كتاب ــ في معرفة القصة المغربية
المعاصرة ــ لمحمد يــــــــــــــــــــــــــــــوب.
سعيد بوعيطة.♦
إن وجود كم قصصي مغربي يتنامى و يتطور بشكل بارز، هو الذي أثار ( ومـــا يزال )
الإنتباه إلى قصور في الحركة النقدية المتابعة لهذا الإبداع.على الرغم من كون الإبداع يسير بوثيرة أسرع من النقد ( وهو حال جل الأجناس الأدبية).هذا القصور جعل البعض يرى ، بأن
النقد القصصي المغربي ، لم يستطع بعد صياغة أسئلته النقدية. قصد تقديم رؤيا نقدية شاملة.
ثمة فقط تشخيصات ومقاربات فردية. ترتبط أحيانا بما يسمى بالقراءات الصحفية(ســــــــــواء الورقي منها أو الإلكتروني).لكنها لا تلتزم ( في أغلب الأحيان)بشروط القراءة و المتابعـــــــة و التقديم للنص الإبداعي.و الشيء نفسه بالنسبة لما ينشر بالمجلات و الدوريات.
لكن على الرغم من ذلك ، فثمة بعض الأعمال النقدية التي حاول أصحابها إستجلاء هـــــــــذا السؤال النقدي القصصي وفق رؤاهم الخاصة. نذكر منها على سبيل المثال لا الحصر:
أ ــ قبعة الساحر، لأحمد زنيبر.
ب ــ شعرية الواقع في القصة القصيرة جدا ، لعبد الدائم السلامي.(تناول نصوصا مغربية).
ج ــ القصة القصيرة جدا في المغرب ، لسعاد مسكين.
د ــ في معرفة القصة المغربية المعاصرة لمحمد يوب.
على الرغم من مجموعة من الملاحظات المعرفية والمنهجية التي سجلناهاحول هذه الأعمال النقديـــــــــة. المرتبطة بالجانب المصطلحي ، توظيف بعض المفاهيم النقدية ، المنهج، فإنها تعمل على بناء النقد القصصي المغربي.وتحديد أسئلته و تصوراته.
سنقف في هذه الورقة عند كتاب ــ في معرفة القصة المغربية المعاصرة للباحث محمد يوب.
في تقديمه للكتاب، حدد الباحث محمد يوب منطلقاته، أسسه و النتائج التي توصل إليها.بحيث إعتمد المتن القصصي المكتوب إبتداءا من التسعينات. من خلال ثيمات فرضتها هذه المجاميع
القصصية.على ضوء عملية التلقي و التأويل. كما ركز الباحث محمد يوب، على التقاطعــــــات السردية و التشاكلات السميولوجيا التي تربط القصة بالأجناس الأخرى: المسرحية ، الروايـــة ، السيناريو السينمائي إلخ.... قصد تقويض العزلة الوهمية للجنس الواحد. و الإقرار بتداخـــــــــل الأجناس الأدبية.فالأصل ــ حسب الباحث ــ هو القصة القصيرة. ففي تمطيطها نجد الرواية وفي تقليصها تتجلى القصة القصيرة جدا.ثم يناقش أوجه التقاطع و التباعد بين الأجناس السردية. وبين المبدعين.سواء على مستوى تقنيات الكتابة أو الرؤية الابداعية التي تختلف من مبــــــــدع لأخر بإختلاف المعطيات الذاتية و الموضوعية.بعدها تناول الباحث مجموعة من القضايا الجوهرية المرتبطة بالقصة: البنية الفية ،الرؤية الفنية و الرؤية من خلف، الشخص والشخصية،
مستوى التلقي و التأويل، جماليات ما وراء القص في القصة المغربية، القصة القصيرة جدا بين الرفض و القبول، الفهم و الإفهام ...الإقناع و الإقتناع في القصة القصيرة جدا.
سأركز في هذا الإطار على مستتويين ( أعتبرهما هامين):
1ـ البنية الفنية :يشير الباحث في هذا الإطار، إلى تعريف للقصة( الإبداع بصفة عامة).بحيث يعمل المبدع على إعادة بناء المادة الحكائية ، وفق رؤيا المبدع للعالم والحياة بصفة عامة. كما أعطى الباحث أهمية قصوى للغة الأدبية.فرأى بأن النصوص القصصية تختلف بإختلاف الرؤى
المرجعيات.لكن الباحث في أغلب الأحيان يركز على الجانب الحكائي في النص القصصي ، في وجب إبراز البناء.لأن المتن الحكائي، معطى مشترك.كما سعى إلى تحديد مميزات كل مبدع على حدة. في وقت وجب فيه البحث عن المشترك بين هذه النصوص. لأن هذا المشترك هوالذي
يحدد الرؤيا النقدية للجنس الأدبي. إلا أنه من بين الإشارات الهامة عند الباحث هو هيمنة الجمل الإسمية في النص القصصي . عكس النص الروائي الذي يعمد إلى الجمل الفعلية. فالإسم عند البلاغيين ، يعني الثبات في حين ترتبط الفعل بالإستمرارية و التجدد.
2 ــ الرؤية إلى العالم و الرؤية من خلف في القصة المغربية المعاصرة:
أشار من خلالها الباحث إلى سلطة الذات بشكل أو بأخر في القراءة النقدية للنصوص الأبداعية.
كما تناول القصة المغربية المعاصرة بين الواقع و التخييل.وهي مسألة مرتبطة كذلك بالجانب الحكائي في النص السردي. وفي تناوله للقصة المغربية و الرؤية إلى العالم، لم يعمل سوى على
تكريس الإهتمام بالجانب المضموني للنص. لأن هذه المقولة كما حددها أقطاب البنيوية التكوينية
( جورج لوكاتش و تلميذه لوسيان غولدمان) ، تهتم أساسا بخارجيات النص.ولعل ما ينعثه الباحث بالبنى، هو عبارة عن تيمات الفقر،البطالة ، الهجرة ، إلخ...
بعد ذلك تناول الباحث مكون الشخصية في النص السردي. وقد فصل القول في ذلك من خلال التمييز بين مفهومي الشخص و الشخصية. بين الدلالة المعجمية وباقي الدلالات الأخرى.
وفي مستويات التلقي ، أشار الباحث إلى كون هذا الأخير يختلف من متلفي إلى أخر. بإختلاف المعطيات الذاتية و الموضوعية.ومستوى الوعي و الإدراك.
كما أثار الباحث محمد يوب مسألة جوهرية تتعلق بالقصة القصيرة جدا ، وهي مسألة الرفض
و القبول( والحال أن هذه المسألة تتعلق بجل الأجناس الأدبية).في هذه المسألة ، أرى شخصيا بأنه
لا يجب أن نجهد أنفسنا ونقلقها عن هذا الرفض أو القبول. لأن الإبداع و التراكم المتميز لجنس أدبي معين يفرض نفسه بالقوة ( كما يشير تودروف في معجمه الموسوعي). ويعمل على بناء نفسه. أما الضعيف فنيا ، فيزول من تلقاء نفسه.
أما فيما يتعلق بالشق التطبيقي ، فقد تناول الاستاذ محمد يوب ، مجموعة من الأعمال القصصي. وفق العنصر المهيمن في كل مجموعة قصصية . وقد جاءت كالثالي :
1 ــ الإنزياحات البلاغية و النفسية في ــ قطف الأحلام ــ لإسماعيل البويحياوي.
2 ــ النكتة والحكاية الشعبية في ــ قوس قزح ــ للقاص حسن برطال .
3 ــ من السرد القصصي إلى السيناريو المسرحي في ــ دموع فراشة ــ لحميد ركاطة .
4 ــ بنية التقاطع السردي و تفاعلية النصوص في ــ وشم العشيرة ــ لنور الدين محقق.
5 ــ تجليات التناص في ــ سنوقد ما تبقى من قناديل ــ للقاص عبد الغفور خوى.
6 ــ قضية الموت أم موت القضية في ــ فتنة المساءات الباردة ــ للمرحوم المختار الغرباني.
7 ــ إنفجارات اللغة القصصية في مجموعة ــ قليل من الملائكة ــ لعبد الله المتقي.
8 ــ مستويات البنية و الوظيفة الدلالية في ــ وقع إمتداده ورحل ــ للسعدية باحدة.
9 ــ من دلالة النص إلى مدلول الواقع في ــ قال لي ومضى ــ لعبد الحميد الغرباوي.
10 ــ دراسة سميائية لمجموعة ــ الأرقام الضائعة ــ للقاص بوعزة الفرحان .
11 ــ تقويض بنية اللغة في مجموعة ــ مرايا ــ للقاص سعيد رضواني .
12 ــ السخرية السوداء في مجموعة ــ وطن وسجائر بالتقسيط ــ للقاص أحمد السقال.
13 ــ الفنتازيا و العجائبية في مجموعة ـ الشركة المغربية لنقل الأموات ــ لأنيس الرافعي.
14 ــ التوافقات النبيوية و الإيديولوجيا في ــ الزغاريد المؤجلة ــ لنجاة السرار .
15 ــ الواقع و التخييل في ــ أرضة رقمية ــ للقاص محمد فري .
يرى الباحث محمد يوب ، بأن أغلب هذه المجاميع القصصية ترتبط بالواقع المعيش بحل تجلياته وتناقضاته وملابساته. لكنها في الوقت نفسه تتميز بخاصية المبدع من خلال رؤياه للعالم
وقدرته على الخلق و الإبداع في هذا الجنس السردي.
يمكن إجمال البعد المعرفي و المنهجي في كتاب ــ في معرفة القصة المغربية المعاصرة ــ ، فيما يلي:
إن النص السرد حسب هذا التصور، ليس مجرد قصة أومادة حكائية . بل له ملامح وقسمات التخييل السردي الجميل. لكنها تقدم هذا التخييل ( واقعيا كان أو غير واقعي) ، بعيدا عن الواقعية
الفجة و المعالجات التهويمية.تتجلى من خلالها مستويات فنية عدة. ترتبط ببناء الحكاية ، بناء الشخصية ، وبناء الرؤيا الإبداعية. تعتمد هذه البنى في تركيبها أصالة اللـــــــــــغة العربية وجودتها. وعمق بناء الحدث و الشخصيات . مع قدرة المبدع ( وهي التي تميز رؤياه الخاصة) على الإيحاء و الإيجاز.حين يقتضي الأمر ذلك. ليكون الإقتصاء اللغوي في النص القصصي ، مبني على بلاغة خاصة. تتجنب الإستطراد أو الإسهاب. كما يساهم في الوقت نفسه في بناء النص القصصي وشخصياته وعوالمه المختلفة.
إن كتاب ــ في معرفة القصة المغربية المعاصرة ــ إظافة جديدة للنقد القصصي المغربي
( خاصة ) والعربي ( على وجه العموم). سيساهم في إغناء المكتبة النقدية من جهة. وسيعمل على بناء نقد قصصي مغربي. هذا الأخير الذي يسعى بدوره إلى تحقيق نوعا من التراكم . قصد تحديد أسسه المنهجية وأدواته ومفاهيمه الإجرائية.
♦ قدمت هذه الورقة في اللقاء الإحتفائي بالناقد الصديق محمد يوب.
يوم الأحد: 27 نوفمبر 2011، بفضاء الحرية ، عين الشق، الدار البيضاء.

تعليقات
إرسال تعليق
شكرا لحضورك واهتمامك