القصة القصيرة بالأبيض و الأسود
قراءة
في المجموعة
القصصية
"عندما
يزهر اليأس"
للأديب الرائد
محمد القطيب
التناني
هناك شكوى شاعت في الأوساط الثقافية إن هناك تقصيرا من النقد و النقاد في
حق كثير من الأدباء الذين غيبهم الإهمال، و الاهتمام بأصوات رديئة تشتري
الاحتفاءات و التكريمات.
ولكي نعطي لهذه الأقلام الجادة حقها نحتفي بأديب كبير من الرعيل الأول
الذين كتبوا في القصة القصيرة منذ بداية الخمسينيات،نحتفي بالأديب محمد القطيب
التناني ومجموعته القصصية (عندما يزهر اليأس) عن مطبعة النجاح.
فهذه المجموعة القصصية من (البلزات القصصية) التي حفرت عميقا في المجتمع
المغربي وعبرت عنه أدبا،إنها مجموعة قصصية بالأبيض و الأسود خالية من الألوان
الزائفة و المظاهر البراقة،تغرف أحداثها من الواقع المغربي المعيش وترسخ وتدافع عن
القيم الأخلاقية و الدينية و الوطنية و القومية العربية.
فهي من جهة تؤرخ لمرحلة حساسة من تاريخ المغرب(1956-1968)ومن جهة أخرى تؤسس
للكتابة القصصية لمغرب ما بعد الاستقلال،فهي تؤدي معنى القصة التي تعني في أبسط
معانيها التتبع(قص..تتبع) لكن التتبع لا يعني التتبع الحرفي و الآلي الذي يقوم بدور
المرآة التي تعكس مظهر الواقع،وإنما تعكس جوهر الواقع بأن تضفي عليه ما سماه جاكبسون
بأدبية العمل الأدبي،وهي التي أسميها القصصية،أي ما يجعل من القصة القصيرة قصة.
فمرة يعالج مواضيع غارقة في الواقعية كقصة (المتسولة) ومرة يتابع أحداث
وطنية(وأخيرا مات شهيدا) ومرة يخرج بعدسته من أرض الوطن ليعالج قضايا عربية
وإنسانية مثل(سارة و العودة إلى فلسطين).
فالقصة عند الأديب محمد القطيب
التناني تنمو وتتحرك بتحرك الأحداث، حيث إن القاص يلتقطها في زمن الوقائع ليعيد
كتابتها في زمن القص أو زمن الكتابة،ففي هذا الزمن يتعطل زمن الوقائع لكي يفسح
المجال واسعا لزمن الخطاب الذي تنشط فيه الشخصيات،حيث إنها لم تعد الشخصية/الشخص
من لحم ودم وإنما تصبح شخصية ورقية تتلاءم وسيرورة/صيرورة الأحداث.
إنها تتلاءم مع الدور المنوط بها باعتبارها تقوم بدور الممثل الذي لا ينظر
إلى شخصه وإنما ينظر إلى الوظيفة التي يقوم بها،فالسارد يتتبع تفاصيل الأحداث
الوطنية من خلال شخصية عبد الجبار،الرجل المسن الذي يستمع إلى مجريات الأحداث
الوطنية عبر المذياع...(ص9)
كما أن المجموعة القصصية تنهض وتنمو على مستوى اللغة،حيث إن القارئ يشعر
بحركية اللغة وديناميتها، مما يساعد على إحياء القصة ونموها،فاللفظة الواحدة تتحرك
لتبحث عن التركيب المناسب،و التركيب يتحرك ليبحث عن التعبير المناسب و التعبير
يتحرك ليبحث عن الدلالة.
وهكذا تتعدد الدلالات بتعدد القراءات،لأن الخطاب القصصي يتحرك من السارد
إلى المتلقي،وبين السارد و المتلقي هناك مضمرات نصية وتناصية وتخطابية ودلالية.
1- المضمرات النصية : توزيع سواد الكتابة على بياض الصفحة وبين السواد و
البياض هناك تختفي المضمرات.
2- المضمرات التناصية:تظهر من خلال تناص القاص مع مخزونه القرائي (القرآن-التراث
العربي) وتناصه مع المخزون القرائي لدى المتلقي، وفي المضمرات التناصية تلتقي رؤية
القاص/السارد مع رؤية المتلقي/القارئ.
3- المضمرات التخطابية: حيث اللغة تكون ذات صلة باليومي المعيش وأقرب إلى
ذائقة المتلقي،وبهذا المعنى يتقاطع السانكروني بالدياكروني وتتقاطع بنية اللغة في
حركيتها وديناميتها مع واقع الأحداث،وفي نقطة التقاطع تكمن القصة.
ولهذا السبب يمكننا أن نزكي مصطلح (البلزة
القصصية)حيث يصعب تقعيد القصة القصيرة أو القبض عليها،لأنها خارجة عن حدود
التجنيس،فهي تتقاطع مع التاريخ ومع الأنتروبولوجيا ومع المسرحية و مع السينما ....
4- المضمرات التدلالية:وفي هذه المضمرات تتعدد دلالات اللفظة الواحدة وتنزاح
إلى معان متعددة تفهم في سياق النص وليس خارجه.
وهكذا تصبح اللغة أكثر حركية بالرغم من
بساطتها،ففي البساطة يكمن جمال السرد القصصي(لقد ألقى المكافحون قنبلة على
الأعداء....ثم يسمع دوي الرصاص وصفارات الإنذار،ويدنو رويدا من الباب ومسدسه في
يده،إن الأعداء أصبحوا منه أقرب من ذي قبل) ص 15
فالمقطع كما نرى فيه حركية اللغة، وحركية
المشهد السنمائي، ونقاط الحذف التي أدت ما يسمى ببلاغة البياض التي يملؤها القارئ
بما يناسب من دلالات.
وفي النهاية تبقى المجموعة القصصية (عندما
يزهر اليأس) سجلا واضحا لمرحلة من مراحل التأسيس للقصة المغربية المعاصرة،ويعتبر
الأديب القطيب التناني رائدا من رواء القصة القصيرة بالمغرب،استطاع طرق باب هذا
الجنس الأدبي منذ بداية الخمسينيات بالرغم من إكراهات اللحظة،وظروف العصر...كما
يمكن اعتباره فلتة من فلتات زمانه.... ترى هل أوفيناه وأوفينا رواد القصة القصيرة
حقهم؟؟؟
7/10/12
محمد يوب
أديب وناقد مغربي

تعليقات
إرسال تعليق
شكرا لحضورك واهتمامك