المتوازيات السردية في (النظر في الوجه العزيز)
1- في مسألة العنوان
يعتبر العنوان من بين العتبات الأساسية التي أثارت كثيرا من اللغط و النقاش في حقل الدراسات السميائية وقد قال جيرار جينيت "احذروا العتبات"باعتبارها نصا موازيا للنصوص القصصية وباعتبارها المدخل لتلقي هذه النصوص.
وأول شئ أريد أن أشير إليه هو عنوان المجموعة القصصية "النظر في الوجه العزيز" حيث انتقده كثير من النقاد العرب باعتباره يتضمن خطأ لغويا حيث يقولون إن الصواب هو "النظر إلى الوجه العزيز" و الحقيقة أن هذه الجملة الأخيرة هي جملة بدون إحساس؛ أما النظر في الوجه العزيز فهي جملة فيها تداعي نفسي وتفاعل مع الذات موضوع النظر؛ لأن (النظر إلى) لا ينقل إلينا الصور مباشرة عكس(النظر في) الذي يلتقط الصور في عيون الآخرين ليعكسها أدبا.
إن حرف الجر (في) تتمتع بحاسية البصر القوية تقوم بعملية اللمس البصري و التفاعل مع الشئ المنظور إليه وتحاوره؛ فحرف الجر (في) تقتنص الفتنة، وتتحسس وجوه الآخرين وتخرج الوجوه من صمتها.
إن المجموعة القصصية (النظر في الوجه العزيز) تدخل في إطار الكتابة الحداثية التي تعتبر الوجه هو العنصر الأساسي في هوية الآخر و الذات؛ و هو الجدرالأكثر دلالة للحضور، منه تنطلق السخرية وهي سخرية من نوع خاص على أنها أيديولوجية الوجه(وجها لوجه)
الوجه هو الآخر و الأنا في نفس الوقت.
إن القصص المشكلة للمجموعة تحاول خلخلة نظرتنا لكثير من القيم، نظرتنا للوجود و الأشياء، حضورنا وغيابنا لذاتنا وألمنا.
إن النظر في الوجه العزيز تحاول التشكيك في قدرة العيون؛ لأنها تابعة للتقاليد ترى ما تراه؛ وتغمض جفونها عن ما لا تحب لأحد أن يراه؛ و القاص أحمد بوزفور يرى أنه ينبغي أن نرفع عيوننا لنرى القبح كما نرى الجمال و الفتنة.
ونتساءل مع الأستاذ أحمد بوزفورهل يمكننا النظر إلى الوجه العزيز كوثيقة؟ أو التفكير فيه كمعمل للاشعور؟ أو النظر إليه كعقل عظيم؟
حقيقة منذ القدم و الوجه يسكن اللغة، الوجه حامل للمعتقدات و الأفكار و التصورات.
أحيانا نعتبر الوجه هو الجزء الملعون من الكائن الحي، كل العقوبات تتوجه للوجه، صفعة،البصق عليه.
أحيانا نريد الإعلاء من قيمة الوجه، إنقاذ ماء الوجه، الاهتمام بالإبقاء على نضارة الوجه، اهتمام الوصلات الإشهارية بالبشرة الصافية من خلال ترسانة من أدوات التجميل.
دور الحداثة في إعلاء قيمة الفرد عبر تمجيده و الانبهار بشكله؛الحداثة تجعل الحدود بين وجه وآخر؛ الوجه مقياس الحضور الإنساني؛ عكس النظرة التقليدية التي تنظر إلى الوجوه باعتبارها متجانسة وجماعية،لا يمكن التميز الفرد فيه،لأنه ممتزج بالكون و بالطبيعة و الجماعة.
الوجه عند بوزفور عامل تفرد مرسوم بدقة ويختلف عن باقي الوجوه هناك وجه حمداش مثلا "قالوا له : تعال يا حمداش وضعوا على عينيه نظارة ملونة، وركبوا في فمه طقم أسنان مذهبا، وأطلقوه في الشوارع مزهوا يتفرج على وجهه المتحضر في مرايا الفترينات"رؤيا حمداش ص 45
ووجه مرزوقة "انحنت مرزوقة على وجهي، وسوسة، الأقراط ...السواك ...الصفصاف ...السنابل ...الضحك...نبض اللحم..
- سبحان الله....حروفه على حروف أمه، ورفعت ذقني بسبابتها وقبلتني في فمي، شفتاها رغم الظهيرة بليلتان، وأنا أحببتها " الأعرج يتزوج ص51-52
المتوازيات السردية
يلجأ أحمد بوزفور إلى ما يسمى بالمستقيمات المتوازية وهي تقنية اقتبستها القصة الجديدة من مجال الرياضيات، وهي طريقة تعتمد على الحكي المتوازي في القصة الواحدة، فنرى القصة قد احتوت على قصتين نقرؤها في وقت واحد أو ثلاث قصص بل أربع في بعض الأحيان.
في قصة (يسألونك عن القتل) يتحدث القاص عن حالة حب وهيام بعيون حبيبته وبشكل متواز يتحدث عن الدراجات النارية وخطورتها باعتبارها أكثر وسائل النقل تعريضا للقتل.
إنه التوازي المحسوس الذي يلجأ إليه بوزفور في قصصه، ولكنه تواز يتكامل فنيا لخدمة القصة القصيرة لديه، ومن ثم يمكننا أن نصف هذا التوازي بالتوازي المتصل، وليس المنفصل، لأنه اتصال ينبع من ارتباط وثيق بجو القصة وشخوصها، إنه تواز يصل إلى حد الامتزاج و التآلف ليقدم وحدة واحدة هي القصة القصيرة كما تقدمها طاقة بوزفور الفنية. قد نجد توازيا لدى كتاب آخرين، ولكنه في غالبه يصل بالقصة إلى حد الانشطار و الانفصال التام، وهذا ما يجعل التوازي عند بوزفور إضافة ذات قيمة في ميدان التجديد و الابتكار.
و التوازي لدى بوزفور يتكامل بوضوح حين نراه يأخذ بتعميق مستويين أو عدة مستويات أخرى في قصصه فضلا عن التوازي المحسوس...إننا نشعر بالمستوى النفسي يتوازى مع المستوى الاجتماعي، و المثال على ذلك واضح في "يسألونك عن القتل" و"رؤيا حمداش" وغيرهما من القصص؛ ونرى التوازي قائما في التصوير أيضا حين يصور الأحداث العادية متوازية مع تصوير الخلفية الاجتماعية و الخلفية النفسية.
إن التوازي لدى بوزفور ينبئ عن دقة فنية، أو حرفة مقننة في مجال القصة القصيرة، فلا يكتبها كهاو يريد أن يملأ مساحات من الورق، ولا ينسجها من باب الترف الذي يمارسه بعض الكتاب حين يرون في القصة نوعا من الكتابة السهلة، إنه يعتبرها نوعا من الفن القائم على العلم و الدراسة فضلا عن الموهبة و الخبرة التي اكتسبها بحكم دراسته لتقنيات كتابة القصة الجديدة.
ونشير بأن بوزفور كان وفيا لطبيعته ولبيئته المغربية الأصيلة، ولتكوينه الديني، فهو يلتقط موضوعاته من صميم الحياة الاجتماعية المغربية، ويفسرها برؤيته التي يعتقدها، ويضفي عليها مسحة من اعتقاده الديني ومن ما اختزلته الذاكرة من تقاليد وعادات اجتماعية.
ومن حين لآخر نرى القاص يوظف بعض العلامات الترميزية التي لها دلالة في ذهن المتلقي مثل: استخدامه للألوان كالأسود الذي يرمز إلى الفحولة و الأبيض الذي يرمز إلى الأنوثة والتقاؤهما من أجل تعمير الأرض و النسل مثل قصة الألوان تلعب الورق حيث الأسود يرمز إلى مصطفى و الأبيض يرمز لخديجة؛ و كذلك في قصة النقطة السوداء (هي ذي نقطة بيضاء حبلى بكل الامكانيات، ولكنها عذراء أيضا كمريم، نحط فيها نقطة سوداء، النقطة سوداء جدا في هذا البحر من البياض وصغيرة جدا في هذا البحر من الفراغ، ولكنها فرحة بوجودها، تتحرك كآدم صغير، تمد أطرافها، تفرك عينيها،تتقلب في فراشها الأبيض، وتمد بصرها إلى الثلج المتساقط حولها.
كما نجد القاص يستخدم بعض الرموز السميائية التي لها مغزى من توظيفها في فضاء القصة القصيرة لما توحيه من دلالات في ذهن المتلقي مثل الرموز المشار إليها في قصة "النقطة السوداء" وهي على شكلها الهندي وبمعانيها المتقابلة الرؤيا/الرؤية .الخوف/الشجاعة ....بمعنى أن القاص قد انفتح على ثقافات أخرى مثل الأنتروبولوجيا وعلم النفس من أجل تفسير كثير من القضايا الاجتماعية التي عجز عن تفسيرها العقل الانساني..
محمد يوب
ناقد أدبي
